الخاطِفة بين العُرفِ والقانون… وأزمة المجتمع مع الحقيقة
حسين الطويل الزّيدي
في التراتبية غيرِ المعلنةِ لحياتنا، يأتي العُرف أولاً ثم القانون، القانون قد يضعُ قيداً، لكن العُرف قد يضعُ مِقصلة،
لكن ماذا يحدث حين تصبح هذه الأعراف عبئاً أمام اتهامات تلاحق الدولة ومُناصريها؟
نرى حينها مشهداً من التخلي القسري عن مبادئَ وأعراف طالما تمسكنا بها بكل طوائِفنا ومكوناتِنا المتنوعة،
حيث يتم التضحية بالعُرف قرباناً لتبرئة الساحة،
منذ فترة، ضجّت مواقع التواصل بقصة فتاة من إحدى الأقليات قيل إنها سُبيت أو خُطفت على يد شاب من طائفة
أخرى، وسرعان ما تحولت الحادثة إلى قضية رأي عام واستغلالٍ لواقعتها، منَ المطالبةً بالحماية إلى الدعوة
للانتقام والقصاص بهدف نشر الفوضى وزعزعة الأمن والاستقرار،
لتظهر الفتاة بنفسها بعد أيام وتقول ببساطة: لم أُخطف، أنا ذهبت معه بإرادتي وأحبه، وسطَ احتفاءٍ شعبي كبير
ليأتيَ التصريح كصفعةٍ في وجه للمتربصين، واحتفالٍ بانتصار الحقيقة على محاولات التحريض ونشر الفوضى.
وما بين الفينةِ والأخرى يرى المتابع للشأن السوري، أن سيل الشائعات التي تتعلّق بقصص الفتيات
والاختطاف لا تنتهي، فما أن تَخمد قصةُ واحدةٍ حتى تخرج أخرى للواجهة، وسط سيلٍ من الإتهامات
التي تطال الأغلبية بإعتدائهم على الأقليات.
نقف الآن أمام مشهدٍ يُجبر فيه المجتمع على مواراة أعرافه الأصيلة التي طالما اعتز بها،
لا رغبةً في التخلي عنها، بل لأهداف أسمى، آلا وهي (الوطن).
إن المشهد اليوم يتجاوز مجرد التوفيق بين العُرف والقانون، ليضع المجتمع أمام استحقاقٍ تاريخي
للفصل بين الحقائق الجليّة والفتن العارضة، في مواجهةٍ تكشف الفرق بين من يسعى لصون كرامة الإنسان
وبين من يسعى لتوظيفها كأداةٍ في سجالاته، لقد بات من الجليّ أن الرهان على العواطف المشبوبة لم يعد مجدياً،
إذ لا عاصم لكيان الوطن اليوم إلا وعيٌ مجتمعيٌ رصين، يترفع عن النعرات الضيقة، ويقف سداً منيعاً
أمام كل محاولات الانزلاق نحو الفوضى.