أخر الاخبار

عدالة منقوصة أم إجراءات أصولية؟قراءة في أزمة التوصيف بقضية عاطف نجيب

لم تكن الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب مجرد حدث قضائي عابر، بل لحظة كاشفة وضعت مفهوم العدالة في سوريا أمام اختبار بالغ التعقيد، فبينما استقبل كثير من السوريين مشهد مثول أحد أبرز رموز القمع أمام القضاء بارتياح طال انتظاره، سرعان ما تحوّل هذا الارتياح إلى سؤال أعمق: أي عدالة تتحقق فعليًا عبر هذا المسار؟

في الظاهر، تبدو الصورة واضحة، متهم داخل قفص المحكمة، وإجراءات قضائية تسير وفق القانون النافذ، غير أن هذا الوضوح يخفي خلفه إشكالية أكثر تعقيدًا تتعلق بطبيعة التوصيف القانوني للجرائم المنسوبة إليه، فالقضية كما يراها عدد من الحقوقيين لا تتعلق بجرائم جنائية تقليدية يمكن احتواؤها ضمن قانون العقوبات، بل بانتهاكات أوسع قد ترقى إلى مستوى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

في هذا السياق، يبرز موقف فريق حقوقي يقوده المحامي أنور البني، الذي يحذّر من اختزال القضية ضمن إطار قانوني ضيق، معتبراً أن ذلك قد يفضي إلى نتائج لا تعكس حجم الانتهاكات ولا تنصف الضحايا، فالتكييف القانوني في مثل هذه الحالات ليس مسألة تقنية فحسب بل عنصر حاسم يحدد نطاق المسؤولية وطبيعة الأدلة المطلوبة وإمكانية ملاحقة أطراف أخرى ضمن تسلسل القيادة

غير أن هذا الطرح يصطدم بواقع قانوني قائم يفرض بدوره منطقه الخاص، ففي توضيح أكثر تفصيلاً، يؤكد نقيب المحامين في سوريا الأستاذ محمد علي الطويل لصحيفة الثورة بأن البلاد لا تزال في مرحلة انتقالية لم يُسنّ خلالها بعد قانون خاص بالعدالة الانتقالية، ما يترك القضاء أمام خيار وحيد عملياً وهو تطبيق قانون العقوبات السوري النافذ

ويشير الطويل إلى أن الموقوفين في هذه القضايا يواجهون ادعاءات شخصية، وقد أمضوا فترات طويلة رهن الاحتجاز، الأمر الذي يجعل من غير الممكن قانوناً تركهم دون محاكمة، وبناءً عليه تُجرى المحاكمات حالياً ضمن الإطار القانوني المتاح، مع احتمال أن تصل العقوبات وفق توصيف الجرائم إلى حد الإعدام.

ويضيف أن المسار القضائي لا يقتصر على خيار واحد، بل يتيح عدة سيناريوهات أمام القاضي، إذ يمكنه إصدار حكم استنادًا إلى الاعترافات والأدلة القائمة، أو في حال عدم كفاية المعطيات أو تعقيد الملف إحالة القضية إلى محاكم مختصة قد تُنشأ ضمن منظومة العدالة الانتقالية لاحقًا.

كما يلفت الطويل إلى نقطة مفصلية تتعلق بمستقبل هذه القضايا، مفادها أن صدور أحكام ضمن القضاء العادي لا يعني إغلاق الملف بشكل نهائي، إذ يمكن إعادة ملاحقة المتهمين لاحقاً أمام محاكم مختصة بجرائم الحرب أو الجرائم الجسيمة، في حال تم اعتماد إطار قانوني جديد يواكب طبيعة هذه الانتهاكات.

هنا تتجلى المعضلة الأساسية: هل تُقاس العدالة بمدى التزامها الصارم بالإجراءات القانونية القائمة، أم بقدرتها على استيعاب حجم الانتهاكات وتحقيق إنصاف حقيقي للضحايا؟ 
الإجابة ليست سهلة، لأن كلا المسارين يحمل في طياته مخاطره الخاصة، فالتسرّع في إصدار الأحكام ضمن إطار قانوني ضيق قد يؤدي إلى عدالة مبتورة، بينما قد يفضي انتظار منظومة تشريعية مكتملة إلى إطالة أمد الإفلات من المحاسبة.

في المحصلة، تبدو محاكمة عاطف نجيب خطوة مهمة، لكنها غير مكتملة في حد ذاتها، فهي تفتح باب المساءلة، لكنها لا تحسم بعد شكل العدالة التي ستتكرّس في سوريا، وبين الواقعية القانونية والطموح الحقوقي، يبقى التحدي الحقيقي في القدرة على بناء مسار يوازن بين الاثنين، دون أن يتحول أحدهما إلى ذريعة لإقصاء الآخر

العدالة في نهاية المطاف ليست مجرد أحكام تصدّر بل سردية كاملة تُبنى إما على أساس إنصاف شامل أو على تسويات مؤقتة قد تعيد إنتاج الأسئلة نفسها في المستقبل.





حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-